اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬يحلم‭ ‬بعودة‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الالمانية‭ ‬عشية‭ ‬الذكرى‭ ‬المئوية‭ ‬للحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬

0

يسعى‭ ‬اليمين‭ ‬القومي‭ ‬الألماني‭ ‬لرد‭ ‬الاعتبار‭ ‬للامبراطورية‭ ‬الألمانية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ليثير‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬جدلا‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عقود،‭ ‬مع‭ ‬اقتراب‭ ‬ذكرى‭ ‬مرور‭ ‬مئة‭ ‬عام‭ ‬على‭ ‬الهدنة‭.‬

ونشرت‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬كومباكت‮»‬‭ ‬القريبة‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬‮«‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‮»‬‭ ‬عددا‭ ‬خاصا‭ ‬كرس‭ ‬لمعاهدة‭ ‬فرساي‭ ‬الموقعة‭ ‬في‭ ‬1919‭ ‬والتي‭ ‬حملت‭ ‬الرايخ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الحرب‭ ‬الكبرى‭ ‬وفرضت‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬دفع‭ ‬تعويضات‭ ‬هائلة‭.‬

ويحمل‭ ‬العنوان‭ ‬‮«»‬عار‭ ‬فرساي‭:‬‭ ‬كيف‭ ‬أخضعت‭ ‬الدول‭ ‬المنتصرة‭ ‬ألأمانيا‮»‬‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬مغزى‭ ‬كبيرا‭ ‬بتذكيره‭ ‬بالخطاب‭ ‬الانتقامي‭ ‬الذي‭ ‬استخدمه،‭ ‬في‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بالحنين‭ ‬إلى‭ ‬الامبراطورية‭ ‬والنازيين‭.‬

وتهدف‭ ‬المجلة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ذلك،‭ ‬الى‭ ‬تمجيد‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الألمانية‭ ‬‭(‬19871-1918‭)‬‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬لدى‭ ‬الوجدان‭ ‬الجماعي‭ ‬الألماني‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬عقود‭ ‬أولى‭ ‬القوى‭ ‬المدمرة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭. ‬

من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى‭ ‬،‭ ‬أكد‭ ‬الرئيس‭ ‬البولندي‭ ‬اندريه‭ ‬دودا‭ ‬مجددا‭ ‬الأحد بوجوب دفع‭ ‬ألمانيا ‬تعويضات‭ ‬عن‭ ‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬سببتها‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬لبلده،‭ ‬وذلك‭ ‬قبل‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬مشاورات‭ ‬ستجرى‭ ‬بين‭ ‬حكومتي‭ ‬برلين‭ ‬ووارسو‭.‬

وقال‭ ‬دودا‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬بيلد‮»‬‭ ‬الألمانية‭ ‬الأحد‭ ‬‮«‬برأيي‭ ‬مسألة‭ ‬دفعات‭ ‬التعويضات‭ ‬ليست‭ ‬فصلا‭ ‬انتهى‮»‬‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬حرره‭ ‬رئيس‭ ‬الدولة‭ ‬السابق‭ ‬ليخ‭ ‬كاتشينسكي‭ ‬ونص‭ ‬آخر‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬البرلمان‭ ‬البولندي،‭ ‬يفيدان‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الأضرار‭ ‬التي‭ ‬نجمت‭ ‬عن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬بولندا‭ ‬لم‭ ‬تدفع‭ ‬مقابلها‭ ‬تعويضات‭ ‬من‭ ‬قبل‮»‬،‭ ‬وخصوصا‭ ‬تدمير‭ ‬القوات‭ ‬الألمانية‭ ‬بالمتفجرات‭ ‬للعاصمة‭ ‬وارسو‭ ‬بيتا‭ ‬بيتا‭.‬

وقال‭ ‬الرئيس‭ ‬البولندي‭ ‬‮«‬إنها‭ ‬بذلك‭ ‬مسألة‭ ‬حقيقة‭ ‬ومسؤولية‮»‬‭.‬

وكانت‭ ‬الحكومة‭ ‬الألمانية‭ ‬رفضت‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬مطالب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬معتبرة‭ ‬أن‭ ‬بولندا‭ ‬تنازلت‭ ‬في‭ ‬1953‭ ‬عن‭ ‬طلب‭ ‬تعويضات‭ ‬من‭ ‬ألمانيا‭.‬

جدل‭ ‬فيشر

هذه‭ ‬الآراء‭ ‬المتضاربة‭ ‬حول‭ ‬الرايخ‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬ونجمت‭ ‬عن‭ ‬جدل‭ ‬هز‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬منذ‭ ‬ستينات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وسمي‭ ‬‮«‬جدل‭ ‬فيشر‮»‬‭.‬

ويسعى‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬هامبورغ‭ ‬فريتز‭ ‬فيشر‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬‮«‬أهداف‭ ‬حرب‭ ‬ألمانيا‭ ‬الامبراطورية‭ ‬1914-1918‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬إثبات‭ ‬أن‭ ‬ألمانيا‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬غيليوم‭ ‬الثاني‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬باتجاه‭ ‬حرب‭ ‬منذ‭ ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬1914‭ ‬لتروي‭ ‬تعطشها‭ ‬للسلطة‭ ‬على‭ ‬الصعيد‭ ‬العالمي‭.‬

وعزا‭ ‬المؤلف‭ ‬أصول‭ ‬صعود‭ ‬النازية‭ ‬لعدم‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الطموح‭.‬

وقال‭ ‬يورن‭ ‬ليونهارد‭ ‬الأستاذ‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬فريبورغ‭-‬ان‭-‬بريسغاو‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إن‭ ‬‮«‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬لفيشر‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬إلى‭ ‬تبنيه‭ ‬اليسار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬اليمين،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬انتقادات‭ ‬حادة‭ ‬وجهت‭ ‬إلى‭ ‬الامبراطورية‭ ‬الألمانية‭ ‬بسبب‭ ‬نزعتها‭ ‬العسكرية‭ ‬والتوسعية،‭ ‬ويعتبر‭ ‬أن‭ ‬وحدها‭ ‬ديموقراطية‭ ‬قوية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تعوض‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الأذى‭ ‬الذي‭ ‬وقع‭ ‬قبل‭ ‬1945‭.‬

أما‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‮»‬‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬يعكس‭ ‬رأي‭ ‬المنتصرين‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬ويرى‭ ‬في‭ ‬الرايخ‭ ‬نموذجا‭ ‬إيجابيا‭.‬

ويقول‭ ‬المؤرخ‭ ‬كلاوس‭ ‬بيتر‭ ‬سيك‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬‮«‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‮»‬‭ ‬يتعلق‭ ‬‮«‬بإعادة‭ ‬الاعتبار‭ ‬للامبراطورية‭ ‬‭(‬‭…‬‭)‬‭ ‬لأنها‭ ‬‭(‬تمثل‭ ‬دولة‭)‬‭ ‬حديثة‭ ‬بقوتها‭ ‬الصناعية‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬محافظة‭ ‬جدا‮»‬‭.‬

ويشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬قيم‭ ‬الرايخ‭ ‬الألماني‮»‬‭ ‬تتطابق‭ ‬مع‭ ‬قيم‭ ‬الحزب‭ ‬اليميني‭ ‬المتطرف‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬الانضباط‭ ‬والنظام‮»‬‭.‬

لذلك‭ ‬يدرج‭ ‬ممثلو‭ ‬اليمين‭ ‬القومي‭ ‬في‭ ‬خطبهم‭ ‬إشارات‭ ‬إلى‭ ‬المستشار‭ ‬السابق‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الامبراطورية‭ ‬أوتو‭ ‬فون‭ ‬بيسمارك‭ ‬‭(‬1815-1898‭)‬‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عصر‭ ‬القصور‭ ‬البروسية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬‮«‬مصدر‭ ‬فخر‮»‬‭ ‬للألمان‭.‬

وذهب‭ ‬الأمر‭ ‬بزعيم‭ ‬‮«‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‮»‬‭ ‬الكسندر‭ ‬غولاند‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬اعتبار‭ ‬النظام‭ ‬الهتلري‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يقارن‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الف‭ ‬سنة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬الألماني‭ ‬المجيد‮»‬‭.‬

ويهدف‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬الى‭ ‬جعل‭ ‬‮«‬الألمان‭ ‬فخورين‭ ‬بتاريخهم‭ ‬وبالأمة‭ ‬الألمانية‭ ‬وألا‭ ‬يروا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬شبح‭ ‬النازية‮»‬‭ ‬وبخاصة‭ ‬أن‭ ‬الأجيال‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬الحربين‭ ‬العالميتين‭ ‬بدأت‭ ‬بالزوال‭.‬

جروح‭ ‬قديمة

وعاد‭ ‬الجمهور‭ ‬العريض‭ ‬من‭ ‬جهته‭ ‬للاهتمام‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬بالحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬صيف‭ ‬1914‭ ‬كيف‭ ‬سارت‭ ‬أوروبا‭ ‬إلى‭ ‬الحرب‮»‬‭ ‬للمؤرخ‭ ‬كريستوفر‭ ‬كلارك‭ ‬في‭ ‬2013‭.‬

ويوضح‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬أن‭ ‬ألمانيا‭ ‬وامبراطورية‭ ‬النمسا‭-‬المجر‭ ‬تتحملان‭ ‬بالتأكيد‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬اندلاع‭ ‬النزاع،‭ ‬لكن‭ ‬قيصر‭ ‬روسيا‭ ‬وباريس‭ ‬ولندن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أفضل‭ ‬لانها‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬التصعيد‭ ‬ورغبت‭ ‬فيه‭.‬

وكتبت‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فرانكفورتر‭ ‬ألغمانيه‭ ‬تسايتونغ‮»‬‭ ‬حينذاك،‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬الذي‭ ‬لقي‭ ‬نجاحا‭ ‬كبيرا‭ ‬‮«‬كشف‭ ‬عن‭ ‬حاجة‭ ‬متأصلة‭ ‬إلى‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬التأنيب‭ ‬والشعور‭ ‬بالذنب‮»‬‭.‬

لكن‭ ‬السلطات‭ ‬العامة،‭ ‬تنظر‭ ‬الى‭ ‬أهوال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬قضية‭ ‬حساسة‭.‬

وتقام‭ ‬احتفالات‭ ‬الذكرى‭ ‬المئوية،‭ ‬هذا‭ ‬العام،‭ ‬بحدها‭ ‬الدنيا‭. ‬وفي‭ ‬برلين‭ ‬أقيم‭ ‬مؤتمر‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬كسب‭ ‬السلام‮»‬‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬تشرين‭ ‬الأول‭/‬اكتوبر،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفتح‭ ‬للجمهور‭.‬

كما‭ ‬لن‭ ‬تقام‭ ‬مراسم‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تضم‭ ‬إلا‭ ‬عددا‭ ‬ضئيلا‭ ‬من‭ ‬النصب‭ ‬المخصصة‭ ‬لقتلى‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬

ويرى‭ ‬ليونهارد‭ ‬أن‭ ‬‮«‬السياسات‭ ‬الألمانية‭ ‬تولي‭ ‬أهمية‭ ‬كبرى‭ ‬لعدم‭ ‬فتح‭ ‬الجروح‭ ‬القديمة‮»‬،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬رؤية‭ ‬‭(‬المستشارة‭)‬‭ ‬أنغيلا‭ ‬ميركل‭ ‬‭(‬‭…‬‭)‬‭ ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬شخصيتها‭ ‬المتحفظة‭ ‬جدا‮»‬‭.‬

ولن‭ ‬تشارك‭ ‬ميركل‭ ‬سوى‭ ‬بمناسبة‭ ‬واحدة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬إيمانويل‭ ‬ماكرون‭ ‬في‭ ‬العاشر‭ ‬من‭ ‬تشرين‭ ‬الثاني‭/‬نوفمبر‭ ‬في‭ ‬ريتوند‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬توقيع‭ ‬الهدنة‭ ‬التي‭ ‬أنهت‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬

أ‭ ‬ف‭ ‬ب-الزمان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.