الصراع الثقافي بين المدن والريف.. يوجّه بوصلة السياسة البولندية

0

كان من المتوقع أن يواجه رافال ترزاسكوسكي المعارض المعروف، معركة صعبة ليُصبح عمدة لوارسو، عاصمة بولندا.

إلا أنه وعلى العكس من ذلك، فقد فاز مرشح المعارضة الليبرالي الموالي للاتحاد الأوروبي في بولندا، بفيض من الأصوات لم تشهده العاصمة منذ عقدين – ويأمل أن يكون فوزه على حزب القانون والعدالة الحاكم، هو نقطة تحول في سياسة البلاد العامة.

أقر ترزاسكوسكي لصحيفة فاينانشال تايمز في مقابلة جرت في وارسو: “هذا كان بمنزلة بطاقة حمراء لحزب القانون والعدالة. بعد ثلاثة أعوام من حكومة حزب القانون والعدالة، أتيحت للشعب أخيرا فرصة للتعبير عن مقاومتهم”.

القضية الآن، كما قال ترزاسكوسكي، هي ما إذا كان فوزه الشهر الماضي – وحالات فوز المعارضة الأخرى في التصويت على منصب العمدة في مدن بولندية أخرى – يُمكن أن تكون نقطة انطلاق للإطاحة بحزب القانون والعدالة في الانتخابات العامة المقبلة في عام 2019.

للقيام بذلك، يجب أن تعمل المعارضة على إضعاف قبضة حزب القانون والعدالة على المناطق الريفية المحافظة في البلاد.

الاستقطاب المتزايد بين المناطق الريفية والمدن في بولندا، الواضح في الانتخابات الأخيرة، هو صورة مصغرة عن الصراعات الأوسع بين القوى الليبرالية والقومية الشعبوية، التي تحدث في كل أنحاء الاتحاد الأوروبي.
يعتقد ترزاسكوسكي أن هناك كثيرا على المحك – سواء كانت بولندا ستستمر بكونها عضوا أساسيا في الاتحاد الأوروبي، أو ستعمل على تعميق المواجهة مع بروكسل، التي حدثت وتظل مستمرة في ظل حزب القانون والعدالة.

وقال “نحن نقاتل فعلا من أجل مستقبل هذا البلد. إذا فاز حزب القانون والعدالة في الانتخابات المقبلة، فإن ذلك سيعني أننا سنبقى على هوامش أوروبا”.
المعركة من أجل وارسو وضعت ترزاسكوسكي، وهو وزير أوروبي سابق يتكلم عدة لغات ويبلغ من العمر 46 عاما، ضد باتريك جاكي المدعوم من حزب القانون والعدالة، وهو نائب لوزير العدل يبلغ من العمر 33 عاما، سبق له أن قارن بين التحول إلى الإسلام والغزو النازي لبولندا، والذي يخلط وعود تحسينات كبرى في البنية التحتية مع الهجمات على النخبة في وارسو.

ترزاسكوسكي فاز بعد ما قال المحللون السياسيون إنه كان تعبئة على نطاق واسع من الناخبين الليبراليين المعارضين لثلاثة أعوام من حكم حزب القانون والعدالة.
لقد فاز بأصوات أكثر بنسبة 35 في المائة من أي مرشح لمنصب العمدة في وارسو في العقدين الماضيين، مع ارتفاع نسبة الإقبال من 47 في المائة إلى 67 في المائة مقارنة بالانتخابات المحلية في عام 2014.

الائتلاف المدني المعارض – الذي يجمع بين المنصة المدنية للترزاسكوسكي واثنتين من المجموعات الليبرالية اليسارية الأصغر – حقق أيضا انتصارات كبيرة في مدن مثل لودز، وبوزنان، وبيجوسزكز ولوبلين. لم يفز حزب القانون والعدالة، ولو في أي مدينة كبيرة واحدة.

فضلا عن تنظيم حملة حول القضايا المحلية، وعد ترزاسكوسكي الناخبين بـ “وارسو أوروبية”، حيث قال إن عدم الارتياح الشائع بشأن نزاع حزب القانون والعدالة المرير مع الاتحاد الأوروبي حول سيادة القانون، ساعد على دعم قضية المعارضة.
وأضاف أن نفس العامل يُمكن يلعب دورا في السباق الانتخابي المقبل في بولندا. هذا سيشهد انتخابات في البرلمانات الأوروبية والبولندية العام المقبل، والانتخابات الرئاسية البولندية في عام 2020.

قال ترزاسكوسكي: “أعتقد أننا سنهزم حزب القانون والعدالة في الانتخابات الأوروبية. وإذا خسروا … سنواصل النجاح”.
على أن المشكلة بالنسبة للمعارضة تكمن في أن الصورة مختلفة جدا خارج مدن بولندا. في الانتخابات الإقليمية التي عُقدت في نفس اليوم الذي عُقدت فيه السباقات على منصب العمدة في بولندا، أحرز حزب القانون والعدالة تقدما كبيرا، حيث فاز بنسبة 34 في المائة من الأصوات مقابل 27 في المائة للمعارضة، وسيطر على ستة من المجالس الإقليمية الـ 16 في بولندا بشكل تام. لقد كان يُسيطر في السابق على مجلس واحد فقط.

قال ألكس سزكربياك، أستاذ العلوم السياسية والدراسات الأوروبية المعاصرة في جامعة ساسكس في المملكة المتحدة، إن “المعارضة عززت نفسها في المدن، لكن هذا ليس كافيا. إذا أرادت الفوز في الانتخابات (البرلمانية) العام المقبل، يجب أن تكون قادرة على صياغة جاذبية من شأنها جذب الناخبين في المدن الصغيرة والمناطق الريفية”.

وأضاف: لقد “أصبحوا يتمتعون بكفاءة عالية في الحشد في المناطق التي تكون فيها المعارضة قوية، لكنها لا تصل إلى تلك المناطق التي تحتاج إليها من أجل التغلب على حزب القانون والعدالة”.
قوة حزب القانون والعدالة في المناطق الريفية تعود جزئيا إلى تحفظه الثقافي ذي الطابع الكاثوليكي المحافظ، الذي يلعب دورا أفضل هناك مما هو في المدن الكبيرة الأكثر ليبرالية.

بيد أن ذلك يعود أيضا إلى برامج الإنفاق الاجتماعي السخية التي قدمها الحزب، والتي ساعدت على تعزيز دعمه بين البولنديين الفقراء، الذين شعر كثير منهم بأنهم قد تم التخلي عنهم أثناء انتقال بولندا إلى الرأسمالية، عقب انهيار النظام الاشتراكي، ويرون أن المنصة المدنية قد تجاهلتهم عندما كانت في الحكم.

اعترف ترزاسكوسكي أن المعارضة يجب أن تقوم بكثير من العمل خارج المناطق الحضرية، لكنه يصر على أن النتيجة الإجمالية الأقرب مما كان متوقعا في الانتخابات الإقليمية، هي علامة على أن المد يتحول.

إذا تعلمت المعارضة الدروس من هزيمتها في عام 2015، بإمكانها الإطاحة بحزب القانون والعدالة، كما قال، على الرغم من أنه اعترف بأنها ستكون معركة صعبة.

وأضاف “(كانت غلطتنا هي أننا) كنا نتحدث دائما عن البنية التحتية، وعدد كيلومترات الطرق السريعة (التي بنيناها)، والاستثمارات وما إلى ذلك، وقد جاء ذلك على حساب عدم التركيز كثيرا على جودة الحياة. لم نكن قادرين على ترجمة كل الأشياء التي كنا نفعلها إلى مكاسب بسيطة، يحصدها الناس من تلك الإصلاحات”.

“الأمر يتعلق إذا بأن نكون قريبين من الناس عبر الاستماع إلى همومهم … وأن نظهر لهم أن (في إمكاننا) إدخال إصلاحات ملموسة على نحو أوضح بكثير”.
جيمس شوتر -الاقتصادية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.