الشكوك حول الانتخابات الرئاسية القادمة وتوضيح الوضع غير المسبوق

الكاتب – زوزانا أونيشوك جايك

في هذه الأيام يهتم الرأي العام في بولندا بالموضوعين: فيروس كورونا والانتخابات الرئاسية. بينما يثير الموضوع الأول خوفاً فيثير الموضوع الثاني شكوكاً وغضب الكثير من المواطنين. لأول مرة في حياتنا تخطط السلطة إلى تنظيم الانتخابات الوطنية عن طريق المراسلات وهذا أمر لا مثيل له. بالإضافة الى ذلك يقترب تاريخ الانتخابات بشكل سريع وهو 10 مايو وحالياً لا يوجد أي قانون ساري يسمح بتنظيم الانتخابات عن طريق المراسلات ما يعني أنّه، على الأقل نظرياً، سوف يذهب البولنديون في يوم 10 مايو الى مركز التصويت كما في العادة.
القانون الجديد الذي ينظم الانتخابات الرئاسية لا يزال عالقاً في مجلس الشيوخ (لأن المعارضة هي أغلبية فيه) الذي يستخدم كل الوقت، أي 30 يوماً، لاتخاذ الموقف بشأن هذا القانون وسوف ينظر فيه ويقترح التعديلات المناسبة في يوم 6 مايو. بعد ذلك سوف يرجع القانون الى مجلس النواب الذي يمكنه قبول التعديلات الموصي بها من قبل مجلس الشيوخ أو رفضها. القرار النهائي ينتمي الى الرئيس أنجيي دودا وعلى الأرجح هو سوف يوقع عليه.
يؤثر القانون شكوكاً وجدلاً لكثير من الأسباب – دعونا نذكر الأهم منها. يتوقع القانون المذكور في الأعلى تنفيذ الانتخابات عن طريق المراسلات ما يعني أن سوف يسلم مكتب البريد البولندي ورقة انتخابية الى بيت كل مواطن بولندي له حق التصويت. ووفقاً للقانون وضع هذه الشحنة مع الورقية الانتخابية فيها هو نفس الوضع كما المنشور الإعلاني لأن لا يوجد أي اسم على الظرف ولا حاجة الى تأكيد استلام الشحنة. من أجل المشاركة في الانتخابات يجب المواطن أن يكتب رقمه القومي على الورقة ويختار المرشح وبعد ذلك يجب ذهاب الى مكتب البريد والقاء الورقته الانتخابية الى الصندوق الخاص.
وأين المشكلة؟ بمقتضى الدستور يجب الانتخابات أن تكون عامة ومتساوية ومباشرة والتصويت يجب أن يكون سرياً ولا يضمن القانون المذكور في الأعلى أي واحد من هذه العناصر. وفقاً للخطط الحالية لن تكون الانتخابات عامة لأن يوجد البولنديون غير قادرون على ذهاب الى مكتب البريد لأنهم معاقين. لن تكون الانتخابات متساوية لأن وضع الناخبين ليس متساوياً وعلى سبيل المثال لا يعرف البولنديون المقيمون في الخارج حتى الآن كيف يمكنهم المشاركة في الانتخابات القادمة ومن الممكن أنهم لن يستطيعوا أن يصوتوا اطلاقاً. لا يضمن القانون قاعدة التصويت المباشر – من الممكن أن شخص آخر سيأخذ الورقة من الصندوق البريدي وسيصوت بدلاً من الشخص المخول لذلك. وأخيراً لن يكون التصويت سرياً لأن كل بولندي مشارك في الانتخابات يجب أن يكتب رقمه القومي على الورقة الانتخابية… وتوجد أكثر من الشكوك الجدية.
وفقاً لاستطلاع الرأي المنشور في جريدة „Gazeta Wyborcza” يريد 73% من البولنديين تأجيل الانتخابات الرئاسية وتنظيمها في وقت أكثر أماناً وفقط 19% يدعم تاريخ 10 مايو. وتتضاعف كذلك آراء سلبية حول الانتخابات القادمة من جهة هيئات ومؤسسات مختلفة ومنها مثلا الرأي الرسمي للمحكمة العليا البولندية التي تنظر على القانون الجديد كما “الخطير لسلامة وخصوصية الناخبين بشكل كبير” وتوصي بوقف الإجراءات المرتبطة بهذا القانون. وتحذر اللجنة الانتخابية الوطنية أنّ إجراء الانتخابات حرة حقاً هو غير ممكن في هذا الوقت. الآراء السلبية تأتي أيضاً من الخارج – على سبيل المثال من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وهي تلاحظ المخاطر التي تهدد الديمقراطية. وحتى الكنيسة البولندية عبّرت عن رأيها بشكل واضح وشاركت النصيحة أن “في الحوار بين الطرفين يجب العثور على تلك الحلول التي لا تسبّب الشكوك القانونية والاشتباه بانتهاك النظام الدستوري الحالي وفي نفس الوقت انتهاك قواعد الانتخابات الحرة والعادلة المنطبقة في المجتمع الديمقراطي”.
لماذا كل هذه العجلة؟ لماذا يسعي الحزب الحاكم “القانون والعدالة” الى الانتخابات الرئاسية مهما كان الثمن وذلك ضد البولنديين وضد كل أصوات العقل؟ رسمياً يقول الحزب الحاكم أنه يتوجب عليه تنظيم الانتخابات في يوم 10 مايو وفقاً للدستور وهم لا يريدون انتهاك الدستور. هل هذا صحيح؟ أليس لديهم خيار آخر؟ كلا، لديهم إمكانية تأسيس الأحكام العرفية (وهو بحكم الواقع موجود منذ بعض الأسابيع برغم من عدم استخدام هذا الاسم) وتأجيل تاريخ الانتخابات الرئاسية ولكن… الآن كل العناصر هي لمصلحة الرئيس الحالي (ومرشح الحزب الحاكم) آندري دودا. لا يستطيع باقي المرشحين مواصلة حملاتهم بشكل عادي لأن لا توجد إمكانية تنظيم اللقاءات مع الناخبين أو السفر في جميع أنحاء البلد. من ناحية أخرى، الرئيس الحالي يسافر من مكان الى آخر لأنه ينفذ واجباته. ومخاطبات الأمة في التلفزيون هي بصراحة إعلانات مجانية له. علاوة على ذلك يعرف الحزب الحاكم أن بعد الوباء سوف تبدأ الأزمة الاقتصادية وستضعف الدعم له ولمرشحه آنجيي دودا.
وفي فيضان الشكوك والأسئلة لا يوجد شك في حالة واحدة فقط – نشاهد الآن أحداث غير مسبوقة. هل فعلا ستجري الانتخابات الرئاسية في يوم 10 مايو؟ أو حتى 17 أو 23 مايو؟ من الأرجح نعم ومن المتوقع أن سوف يفوز فيها آنجيي دودا ولكن لا بد أن عدد الانتهاكات والمشاكل المتربطة بتنفيذ الانتخابات سوف يسفر عن تشكيك ولاية الرئيس الجديد لتنفيذ قواعد الرئاسة. وسيصبح المجتمع البولندي حتى أكثر انقساماً. جنون؟ يبدو أن في السنة الجارية كل شيء ممكن.

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة