fbpx

بولندا.. اختبار ديموقراطي للاتحاد الأوروبي

في الوقت الراهن، ينصب تركيز أوروبا على الانتخابات الرئاسية النمساوية، التي هُزم فيها حزب يميني متطرف بفارق بسيط أول أمس الاثنين.

 أما في بولندا، التي أمضيتُ فيها الأيام القليلة الماضية، فقد باتت عواقب أعمال حكومة يمينية متطرفة محسوسة منذ بعض الوقت، حيث منح الاتحادُ الأوروبي حزب «القانون والعدالة» الحاكم مهلة تنتهي الاثنين للكف عن جهوده الرامية إلى إضعاف المحكمة الدستورية في بولندا، ولكن حزب «القانون والعدالة» أجاب بـ«لا» مدوية، ونتيجة لذلك، فإن انذر أزمة دستورية حقيقية باتت تلوح في الأفق، أزمة يمكن أن تكون لها تداعيات كبيرة على الديموقراطية في أوروبا.

هذا الوضع هو نتيجة انتخابات أجريت العام الماضي ومنحت حزب «القانون والعدالة» أغلبية مطلقة في البرلمان، رغم أنه فاز بـ37.6 في المئة فقط من الأصوات بنسبة مشاركة إجمالية بلغت 51 في المئة.

 
 
 

الحزب، الذي صعد إلى السلطة جزئياً بفضل جاذبية الزعيم غير الرسمي للحزب «ياروسلاف كاتشينسكي»، سارع إلى تمرير قوانين تجعل من الصعب على أعلى محكمة في البلاد، وهي «المحكمة الدستورية»، نقض أي من قرارات الحكومة، ولكن المحكمة الدستورية رفضت اتباع القوانين الجديدة، التي قالت عنها إنها غير دستورية، كما رفض رئيس المحكمة إحالة قضايا على ثلاثة قضاة يقول وزملاؤه إنهم عُينوا بشكل غير قانوني.

وبالمقابل، يقول حزب «القانون والعدالة» إن أعمال المحكمة منافية للقانون، بينما تشدد الحكومة على أنها لم تخرق الدستور البولندي، وإنها لم تقم سوى بتعيين قضاة جدد وتمرير تشريع يغيّر إجراءات التصويت في المحكمة، وفي هذه الأثناء، يقول بعض المسؤولين البلديين في بولندا إنهم يعتزمون اتباع حكم المحكمة فقط، هذا بينما ترفض الحكومة المركزية، التي يسيطر عليها حزب «القانون والعدالة»، موقف المحكمة.

ووفق التعريف القانوني، فإن الأزمة الدستورية تحدث عندما يتعذر على أجزاء مختلفة من الحكومة الاتفاق على ما ينص عليه الدستور – أو على من له الحق في تقرير ذلك.

وحتى الآن، لا يبدو الطريق إلى الحل واضحاً، فرئيس المحكمة في العام الأخير من ولايته، وعندما يتنحى – على افتراض أنه سيفعل – فإن الدستور يرخّص للرئيس البولندي، وهو عضو في حزب «القانون والعدالة»، بتعيين رئيس جديد، وأياً كان الشخص الذي سيختاره لهذا المنصب فإنه سيقوم على الأرجح بعرض قضايا على القضاة المثيرين للجدل وسيدّعي التحدث باسم المحكمة.

وحتى الآن، لم تسجل أي أعمال عنف، ولكن «كي أو دي»، وهي حركة جديدة تدافع عن الديموقراطية، نجحت في حشد ما يقدّر بـ200 ألف شخص في مظاهرة في أوائل مايو، ويقول زعماؤها إنهم قلقون ويخشون أن تكون المسألة مسألة وقت فقط قبل أن تسيل الدماء.

رد فعل الاتحاد الأوروبي على كل هذا كان مشوباً بالقلق، حيث قامت هيئته المسماة «لجنة البندقية»، التي تركز على الحقوق الدستورية وحكم القانون، بإصدار تقرير يندد بالخطوات الأخيرة للحكومة البولندية، كما أشعرت المفوضيةُ الأوروبية نفسها الحكومةَ بأنها إذا لم تحل المشكلة، فإن السلطات الأوروبية ستجد نفسها مجبرة على اتخاذ الخطوة المقبلة المتمثلة في تحقيق رسمي يمكن أن يفضي إلى توصية بحرمان بولندا من صوتها في المفوضية الأوروبية.

بيد أنه من غير الواضح مدى قوة وجدوى هذا التهديد، ذلك أن الاتفاقية الأوروبية ذات الصلة تنص على أنه لا يمكن حرمان بلد من صوته إلا إذا لم يكن ثمة أي بلد آخر يعارض هذه الخطوة، والحال أن الرئيس المجري اليميني «فيكتور أوربان»، الذي تربطه بحزب «القانون والعدالة» علاقات وثيقة، ألمح إلى أن المجر ستستعمل «الفيتو» ضد أي محاولة لمعاقبة بولندا، ولا غرو في ذلك، ما دام أن أوربان «نفسه منخرط في محاولات تدريجية لإفراغ الديموقراطية في بلاده من محتواها، وبوسائل قانونية! وبالتالي، فإن تأثير الاتحاد الأوروبي على حزب «القانون والعدالة» محدود، ولعل ما يعكس هذا الرأي أن الحزب أجرى تصويتاً في البرلمان الأسبوع الماضي يعلن أن بولندا دولة «ذات سيادة»، وبالتالي فإنها لن تذعن لضغوط الاتحاد الأوروبي.

وتأسيساً على ما تقدم، فإن الأمر المخيف حقاً هو فكرة أن تأثير الاتحاد الأوروبي في التشديد على الديموقراطية قد يكون محدوداً حتى داخل أوروبا، والحال أن ذاك التأثير سيكون ضرورياً أكثر من أي وقت مضى، وخاصة إذا وصل مزيد من السياسيين اليمينيين المتطرفين إلى السلطة!

نوح فيلدمان

أستاذ القانون الدستوري والدولي بجامعة هارفارد الأميركية

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة