خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي مستبعد في الوقت الراهن

عندما أعلن رئيس الوزراء السابق، ديفيد كاميرون، عن نيته إعادة التفاوض بشأن موقف المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، كانت بولندا من أولى الدول التي أعربت عن دعمها، وفي حين أن تلك المفاوضات لم تَسِر كما هو مخطط لها، فإن الدعوات لإصلاح الاتحاد لم تختفِ، واليوم لاتزال بولندا في نقاش حول السيادة الوطنية، وقد لقي اهتماماً في مؤتمر مستقبل أوروبا، ومع ذلك، على عكس المملكة المتحدة، لا توجد قوى سياسية جادة تطالب بخروج بولندا من الكتلة الأوروبية.

وظل «حزب القانون والعدالة» الحاكم صوتاً رائداً للإصلاح، وغالباً ما يعمل مع الدول الأخرى الأعضاء في وسط شرق أوروبا، التي بدأت مشاركة شكوكها عندما يتعلق الأمر بزيادة مركزية السلطة في بروكسل، وعلى وجه الخصوص كان لبولندا دور قيادي نشط في دعم استقلال الطاقة الأوروبي، ومعارضة التدخل الروسي، وتحديث البنية التحتية في المنطقة.

ولاتزال بولندا أيضاً جسراً مهماً بين الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في أوروبا الشرقية، لاسيما تلك التي تمرّ بعملية الانتقال نحو الديمقراطية الغربية، وظل البولنديون من المؤيدين الأساسيين لأوكرانيا في كفاحها ضد روسيا، وكانوا أول من قدّم السكن والتمويل للمعارضة البيلاروسية، وخلال كل هذا تمكنوا من العمل من خلال قنوات أوروبية وغير أوروبية.

وبالنسبة للقطيعة مع بروكسل، فإن التغطية الحماسية في بعض الأوساط لا تتطابق مع الواقع على الأرض، وفي وارسو، اليوم، الحركات السياسية الوحيدة التي تدافع عما يسمى بـ«بوليكست» (روج بولندا من الاتحاد)، هي تلك الموجودة في «الكونفدرالية»، وهو تحالف من منظّري المؤامرة والراديكاليين والمتطرفين، من أنصار الرأسمالية الحرة إلى الملكيين الاستبداديين.

ويبدو أن حكم المحكمة الدستورية البولندية بشأن أسبقية القانون البولندي على قانون الاتحاد الأوروبي قد أثار حالة من الهستيريا، في بعض وسائل الإعلام الغربية، ويرجع ذلك جزئياً إلى وجود نوع من الارتباك في مقارنة أي بيان أو تصرف متشكك في الاتحاد الأوروبي، بمحاولة على غرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وأغلب الصحافيين الذين يكتبون عن هذا الموضوع لا يفعلون ذلك من وارسو، في الغالب.

ومع ذلك، فإن الجدل حول ما إذا كان ينبغي أن يكون للقانون الوطني أو قانون الاتحاد الأوروبي الأسبقية، هو بالتأكيد رائج، وحتى المفاوض السابق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الذي تحول إلى مرشح رئاسي في فرنسا، ميشيل بارنييه، عبّر عن مشاعر مماثلة لتلك التي سادت المحاكم البولندية، وهي أن قانون الاتحاد الأوروبي لا ينبغي أن يبطل القانون الفرنسي، وهناك سبب وجيه لعودة هذا النقاش إلى الصفحات الأولى، والحقيقة أن عدداً متزايداً من القرارات واللوائح والتوجيهات، الصادرة عن كل من البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية، يقع خارج الاختصاصات الأساسية للاتحاد الأوروبي، وتجاوز عدد متزايد من القوانين، التي تم تمريرها في بروكسل، الحدود إلى مناطق لا يتمتع الاتحاد بولاية قضائية عليها.

ومن الأمور الفظيعة بشكل خاص، محاولات الاتحاد شق طريقه إلى الشؤون الاجتماعية، التي تمثل خروجاً كبيراً عن المعاهدات، وتؤكد الموقف المتعجرف لدى البعض، في بروكسل، تجاه حكم القانون.

وقد ينتهي الأمر بالقضية المعروضة على المحكمة الدستورية البولندية لتكون الأولى من بين العديد من القضايا، إلا إذا عاد الاتحاد الأوروبي إلى احترام السيادة الفردية لدوله الأعضاء. والقوة التي يتمتع بها الاتحاد مستمدة من الثقة التي وضعتها فيه 27 دولة، كل على حدة، وليس العكس، وحكم المحكمة البولندية لا يعبّر عن أكثر من هذا الشعور.

ولكن في حين أننا قد نتوقع المزيد من المعارك التي تدور رحاها بمرارة، إلا أن المتشككين في الاتحاد الأوروبي، يجب ألا يخدعوا أنفسهم في أن بولندا أو أي من جاراتها القريبة، لديها أي نية لمغادرة الكتلة.

• لا تزال بولندا جسراً مهماً بين الاتحاد الأوروبي ودول أخرى في أوروبا الشرقية، لا سيما تلك التي تمر بعملية الانتقال نحو الديمقراطية الغربية.

 

روبرت تايلر ■ كاتب سياسي/ترجمة: مكي معمري ■ موقع «كابيكس»

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة