بولندا… بين السيادة والامتثال الـ«أوروبي»؟

منذ وقت ليس بالبعيد، كانت بولندا تعد المثال الأكثر نجاحاً للتحول الديمقراطي في وسط وشرق أوروبا، ورائدة في التكامل الأوروبي. فقد كانت تتمتع، كما كتب المفوض الأوروبي لفترة طويلة جونتر فيرهوغين «بعصر ذهبي جديد».

واليوم، تفوقت البلاد مجدداً على سواها. لكن هذه المرة، ستكون في طليعة التفكك الأوروبي والتفكك الديمقراطي. فقد اختارت الحكومة، بقيادة حزب القانون والعدالة، خوض المعارك مع الاتحاد الأوروبي، وانتقلت لساحات المحاكم، ووضعت تشريعات تهدف إلى تكميم الإعلام المستقل، واتخذت نهجاً متشدداً تجاه حقوق المرأة.

ماذا حدث؟ تكمن الإجابة عن هذا التساؤل في الماضي، ولو جزئياً. بولندا محرومة من وضع الدولة لقرون من الزمان، وتشرف عليها قوى خارجية، يتملكها شعور عصبي وصادم ومؤلم. وقد حاولت الحكومة الحالية تصريف هذا القلق، فاندفعت ضد المهاجرين وضد بروكسل والليبراليين لخلق عقلية التحصن. وعلى الرغم من الانتكاسات العرضية، مثل قرار الرئيس باستخدام حق النقض (فيتو) ضد مشروع قانون الإعلام المثير للجدل، فقد نجح مشروع القانون.

لا شك أن البلاد ليست وحدها في سياستها اليمينية. ففي مختلف أنحاء أوروبا الوسطى والشرقية؛ حيث يتمتع كثير من البلدان بتاريخ خاص من الاحتلال والحكم الأجنبي، أصبحت الحكومات الوطنية أو الحركات السياسية سائدة. والمنطقة، التي يتردد صدى تجاربها مع القومية على نطاق واسع في مختلف أنحاء الغرب، تشكل مجرد حالة تجريبية. ومن خلال الجهود المتضافرة بين جماعات المعارضة، يظل من الممكن استعادتها مجدداً في ظل الليبرالية والديمقراطية. ولكن إذا كنت تريد الاطلاع على ما قد يخبئه مستقبل أوروبا، فانظر إلى بولندا.

ستجد هناك شيئاً غريباً. رغم أن الحكومة كثيراً ما تُتهم بالقومية عن حق، فإن المسؤولين يميلون إلى تبني مصطلح آخر أكثر اعتدالاً من القاموس؛ «السيادة». وفي خطاب ألقاه مؤخراً أمام البرلمان الأوروبي، كرره رئيس الوزراء ماتيوش مورافيتسكي 3 مرات في جملة واحدة: «إن المطلوب هو اتخاذ قرار سيادي بشأن القرارات السيادية التي تتخذها الدول الأعضاء ذات السيادة».

ربما يوصف الأسلوب الخطابي بالرديء. لكن التركيز على لفظة «السيادة» ليست وليدة المصادفة. تقدم الحكومة نفسها باستمرار كمدافعة عن سيادة بولندا. ويبدو أن كثيراً من الناخبين أعجبهم هذا الأمر، وبعد 6 سنوات في السلطة ما زال الحزب الحاكم يتربع على قمة الانتخابات. وتكمن صدمات الماضي الموجعة وراء دعمه الطويل الأجل.

في سنة 1795، مُحيت بولندا من الخريطة بعد 800 سنة من وجودها، وكانت مقسمة إلى بروسيا ومملكة هابسبورغ والإمبراطورية الروسية. وخلال قرنين من الزمان تقريباً، استهلك حلم استعادة الدولة المستقلة الجهود الفكرية والسياسية التي بذلتها النخب البولندية. كانت هناك فترة وجيزة من السيادة بين الحربين العالميتين، لكنها انتهت بصدمة أخرى عام 1939. بعد الحرب، خضعت البلاد لهيمنة الاتحاد السوفياتي، وعانت احتلالاً دام نصف قرن.

وبعد الطفرة الديمقراطية عام 1989، استعادت بولندا سيادتها. وكان السؤال هو؛ كيف يمكن تأمينها؟ وظهر من وراء ذلك مسارين؛ الأول كان الالتصاق بالغرب، والانضمام إلى كل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وكان المنطق بسيطاً، بانتمائها إلى نادٍ حيث الحدود متفق عليها وغير قابلة للانتهاك، فإن سيادة بولندا – أي حقها في الشكل الإقليمي وحدود الدولة – كانت مضمونة.

شرعت البلاد في الالتحاق بالغرب، ونجحت في ذلك نجاحاً عظيماً. وارتفع الاقتصاد إلى عنان السماء، واحتلت بولندا مكانها في محفل الأمم الأوروبية، وكان المواطنون على اقتناع واسع بأن الغرب لن يجلب لهم الأمان فحسب، بل أيضاً حياة أفضل. ومع ذلك، بحلول الوقت الذي اندمجت فيه البلاد بشكل كامل، كان كثيرون قد أصيبوا بخيبة أمل. وقد أدت حرية الحركة عبر الكتلة إلى استنزاف الأدمغة وهجرتها، الأمر الذي أدى إلى ترك السكان المسنين في نظام رعاية صحية غير ملائم. وبالنسبة للعمال، كان متوسط الأجور متأخراً عن الذي يتمتع بها نظراؤهم في الغرب.

باستغلال إحباطات الناخبين، نجح ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم حزب القانون والعدالة، في صياغة المسار الثاني لضمان السيادة. إذ يجب على بولندا أن تحذو حذو دولة ما بين الحربين العالميتين، المعروفة باسم «الجمهورية الثانية»، التي أعادت سيادة بولندا بعد الحرب العالمية الأولى. من الواضح أنه كان اقتراحاً جذاباً وفاز الحزب بالأغلبية في انتخابات 2015. ولكن تم تجاهل جانب مركزي من الجمهورية الثانية، فقد تحولت بعد انقلاب 1926 إلى دولة استبدادية. وجاءت الديمقراطية وسيادة القانون في المرتبة الثانية بعد استعراض عضلات السيادة الوطنية.

لقد أثبت الحزب الحاكم خلال أعوامه الستة في السلطة أنه الوريث الحقيقي لهذا التقليد. وأعلن سيطرته الكاملة على المؤسسات الرئيسية مثل التعليم ووسائل الإعلام العامة والسلطة القضائية. في العام الماضي، تصاعدت المواجهة، رداً على انتقادات الاتحاد الأوروبي لبولندا بسبب خططها لإضعاف استقلال القضاء، شددت الحكومة حديثها عن السيادة، «وهي لا تزال تطالب بفوائد العضوية، مثل أموال التعافي من الوباء».

خلال الأزمة الأخيرة على الحدود البولندية مع بيلاروسيا؛ حيث ضغط آلاف المهاجرين من أجل الدخول، أظهرت الحكومة كيف يمكن أن يبدو الأمر منفرداً. ورفضت عرض المساعدة الذي قدمته الكتلة الأوروبية، كما رفضت قبول الذين وصلوا إلى أراضيها. في الوقت الحالي، يعمل منهج الخصومة بنجاح، إذ تدعم أغلبية الناس رد الحكومة، ويبدو أن الأزمة قد عززت من الدعم الشعبي للحكومة.

لكن ذلك يأتي بتكلفته. إن العزلة المتزايدة التي تعاني منها البلاد، والتي تعتقد الحكومة أنها دليل على استقلال بولندا، تفتح الباب في الواقع أمام النفوذ الروسي، الأمر الذي لا يرغب المسؤولون في الاعتراف به. وتلمح الحالة في أوكرانيا ما قد يسفر عنه ذلك. وتفادياً للغزو، طالب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من بين أمور أخرى، بأن يقيد حلف شمال الأطلسي نشر القوات العسكرية في بلدان ما بعد الشيوعية، بما في ذلك بولندا. ومن الواضح أن احتمال السقوط مرة أخرى تحت الوصاية الروسية أمر جائز للغاية.

ومع ذلك، يبدو أن الحكومة في الوقت الراهن تستغل المشاعر المشتركة في جميع أنحاء الغرب. لقد عادت السيادة، باعتبارها مبدأ منظماً للعمل السياسي. بطبيعة الحال، أسفرت الأصوات المطالبة باستعادة المجد الوطني الباهت في بريطانيا والولايات المتحدة عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإلى رئاسة دونالد ترمب. وفي أوروبا، يعد كازينسكي في بولندا، ورئيس وزراء هنغاريا فيكتور أوروبان، من الشخصيات الملهمة بالنسبة لليمين المتشدد، وهما مثالان على «إريك زيمور» و«مارين لوبان» في فرنسا، و«ماتو سالفيني» و«جيورجيا ميلوني» في إيطاليا.

وبرغم كل هذه الاختلافات المحددة، فإن هؤلاء الساسة يشتركون في مشروع؛ تحصين الاستياء الوطني، على حساب التماسك القاري. وإذا نجحوا في بلوغ هذه الغاية، فقد يكون بوسعهم العمل على إنهاء النموذج الغربي للديمقراطية الليبرالية كما نعرفها الآن. وما لم تتمكن بولندا من تحويل سيادتها المتوترة إلى تعاون ديمقراطي، فربما تكون قد استشرفت الطريق صوب ذلك.

 

 

كارولينا فيغورا وغاروسلاف كويز
– خدمة «نيويورك تايمز» / الشرق الأوسط

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة