fbpx

رباعي فيسيجراد: الاتحاد الأوروبي الحالي لا يصلح .. نريد اتحادا جديدا

رباعي فيسيجراد من اليمين إلى اليسار: ميلوس زيمان، وفيكتور أوربان، وروبرت فيكو، ياروسلاف كاتشينسكي.

 

 

في بايلي تسناد، مدينة المنتجعات في جبال ترانسيلفانيا، تجمع آلاف الشباب الهنغاريين في ضوء الشمس أواخر تموز (يوليو) للاستماع إلى خطاب فيكتور أوربان، رئيس وزرائهم المتشدد.

كان أوربان يستغل “الجامعة الصيفية” السنوية والمهرجان الثقافي للطلاب في المدينة – التي كانت ذات يوم جزءا من هنغاريا، لكنها الآن جزء من رومانيا – لإلقاء خطب مهمة في مجال السياسة. في عام 2014 قال إنه كان يبني “دولة غير ليبرالية” في هنغاريا من شأنها الحفاظ على الديمقراطية والحرية، إلا أنها تقوم بعمل أفضل لمواجهة التحديات الحالية من خلال التركيز على القيم العائلية والتنافسية والأمن، بدلا من الحقوق الليبرالية.

هذا العام، مع دعم أوربان لدونالد ترامب لتولي الرئاسة في الولايات المتحدة – معبرا عن إعجابه بموقف المرشح الجمهوري حول كثير من القضايا، بما في ذلك كيفية التعامل مع الهجرة – يوجه رئيس الوزراء هجومه على الاتحاد الأوروبي. قال “إن الأزمة الاقتصادية تحولت إلى أزمة النخب السياسية التي تسيطر على الكتلة المؤلفة من 28 دولة، وبالتالي أصبحت أزمة تعانيها الديمقراطية الأوروبية نفسها. في الوقت نفسه، طوفان المهاجرين من الشرق الأوسط جلب هجمات إرهابية مثل حوادث إطلاق النار في ميونيخ التي وقعت عشية خطابه“.

وقال “فقدت أوروبا دورها العالمي، وأصبحت لاعبا إقليميا. أصبحت غير قادرة على حماية مواطنيها (…) وحماية حدودها الخارجية (…) والحفاظ على المجتمع متماسكا معا، في الوقت الذي غادرت فيه بريطانيا للتو. ما المطلوب أكثر من ذلك حتى يعلن أي شخص صراحة أن القيادة السياسية في أوروبا فشلت”؟

ورغم جميع الانتقادات الموجهة إليه من بروكسل وقادة الاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة بسبب تدميره للضوابط والتوازنات الديمقراطية وبسبب بنائه سياجا لمنع تسلل المهاجرين في العام الماضي، اعتبر أوربان أنه هو وهنغاريا كانا يسيران في الطريق الصحيح. وقد يتعين على “التيار العام الأوروبي” قريبا أن يحذو حذوهما. كما أعلن أن “هذه هي الطريقة التي يصبح فيها الإنسان الشاذ جزءا من المجموعة“.

أوربان هو الناقد الأكثر جرأة من داخل الدول الأعضاء الشيوعية السابقة الـ 11 التي انضمت إلى الاتحاد منذ عام 2004، لكنه ليس وحده. مع الاقتصادات المدعومة بمليارات اليوروات المأخوذة من أموال الاتحاد الأوروبي كل عام والنمو المتسارع بفضل الوصول إلى سوق موحدة، قد يكون من المتوقع لهذه البلدان أن تكون من مشجعة وداعمة لبروكسل. إلا أن بعضها – أو بعض قادتها – ليسوا كذلك.

في حين إن الناخبين يحبون الحريات والتمويل الذي تجلبه تلك العضوية، استغلت الحكومات في وسط وشرق أوروبا التصويت بمغادرة بريطانيا لدفع خنجر في صدر مؤسسات الاتحاد الأوروبي وقيادته، مصورة إياه على أنه نقطة تحول وجودية.

بقيادة هنغاريا وبولندا، حيث استعاد حزب “القانون والعدالة” المحافظ المتشدد السلطة في العام الماضي، حذرت هذه الحكومات القادة الغربيين وجان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية، من استخلاص استنتاجات “خاطئة” من مغادرة بريطانيا. وقالت “إن هذا التصويت كان نتيجة حتمية لفشل بروكسل في الاستماع للمواطنين”، واعتبرت أن الحفاظ على الوضع الراهن لن يؤدي إلا إلى مزيد من المطالبات للانسحاب.

مع اجتماع زعماء الاتحاد الأوروبي الشهر المقبل في براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا – التي يعتبر رئيس الوزراء فيها، روبرت فيكو، ناقدا آخر للاتحاد الأوروبي – لمناقشة مستقبل الاتحاد في فترة ما بعد مغادرة بريطانيا، فقد المسؤولون في أوروبا الغربية وبروكسل أعصابهم. فهم يخشون أن تعمل هنغاريا وبولندا، المتهمتان بتقويض الحريات الإعلامية والسياسية، على استغلال هذا الوضع لتقويض سلطة الاتحاد الأوروبي ودفع رؤيتهما المحافظة الخاصة بـ “القيم” الأوروبية. ويتحدث بعضهم عن فجوة جديدة بين الشرق والغرب في أوروبا.

وبحسب وزير بارز من دولة شرقية عضو في الاتحاد “أكثر ما يثير القلق حول الفجوة بين الشرق والغرب هو أننا نتحدث أساسا لغات مختلفة. نحن لا نفهم بعضنا بعضا. نحن لا نعتقد أن بروكسل في شكلها الحالي ستجلب لنا أي شيء“.

الرباعي الغريب

الانقسام بين الشرق والغرب هو إلى حد بعيد ليس أمرا يخلو من الالتباس. فلا تزال جمهوريات البلطيق السوفياتية السابقة الثلاث، أستونيا ولاتفيا وليتوانيا ـ مع مراقبة روسيا فلاديمير بوتين كل حركة من حركاتها ـ من المتحمسين للاتحاد الأوروبي. ورومانيا وبلغاريا اللتان انضمتا إلى الاتحاد في وقت لاحق، تمارسان ضغطا للانضمام إلى منطقة شنجن التي يتم التنقل داخلها من دون جواز سفر في الاتحاد الأوروبي.

لكن قادة بولندا وهنغاريا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، التي تشكل كتلة تسمى دول فيسيغراد الأربع، ظهروا كنوع من الكتلة الحرجة في وسط أوروبا. ورغم أن التوتر كان يعتمل منذ فترة، كان الحافز خطة فاشلة في العام الماضي لجعل كل بلد من الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يأخذ “نصيبا مقررا” من اللاجئين. وكان ذلك لعنة لبلدان فيسيغراد التي ليست لديها تلك الخبرة الواسعة في التعامل مع الهجرة الجماعية ولديها سكان متجانسون نسبيا.

لكن حتى في هذا الأمر، هناك مفارقات. وجد استطلاع أجري من قبل معهد بيو للأبحاث في حزيران (يونيو) الماضي أن البولنديين والهنغاريين لا تزال لديهم رؤية أكثر إيجابية عن الاتحاد الأوروبي من أي من الأعضاء الآخرين.

أوتيليا داند، محللة سلوفاكية المولد لدى شركة تنيو إنتليجانس    

 وهي شركة مختصة في استشارات المخاطر السياسية، تقول “إن هذه الأرقام تخفي الفوارق. لا يمكن لأي دولة شيوعية سابقة من البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أن تصوت لمصلحة الخروج من الاتحاد، على عكس بعض البلدان الغربية. لكن كثيرا من المواطنين يشعرون بخيبة أمل بسبب العضوية”. وترى أن “اللوم في ذلك يقع على التراث الشيوعي لدينا”.

كانت حكومات أوروبا الوسطى في كثير من الأحيان تبالغ في مزايا الاتحاد الأوروبي لكسب التأييد لإصلاحات واستفتاءات ما قبل العضوية. والطفرة التي حدثت قبل وبعد انضمام البلدان الشيوعية السابقة في عام 2004 تحولت مع الأزمة المالية عام 2008 إلى كساد بالنسبة إلى كثيرين وتلاشت آمال اللحاق السريع بركب الغرب الأكثر ازدهارا. وفي الوقت نفسه، أزمة الديون اليونانية وقضية المهاجرين كشفتا عيوب المشروع الأوروبي.

وبحسب داند “تبين أن العروس ليست جميلة مثلما قيل عنها. الاتحاد الأوروبي هو على الأرجح أفضل أنواع الواقع الذي يمكن “لمواطني أوروبا الوسطى والشرقية” تخيله. كل ما في الأمر فقط أنهم ليسوا متفائلين كثيرا بالواقع الذي يرونه في الوقت الراهن”.

وتضيف أن بروز بلدان فيسيغراد الأربعة باعتبارها كتلة معارضة يعد تطورا ملحوظا، لأنه كان من الممكن على مدى فترة طويلة الاعتماد على “التوقيع بالقبول” من جانب هذه الدول على ما يتم عرضه عليها من سياسات وإجراءات. بولندا، في ظل حكومتها السابقة، من يمين الوسط، بقيادة دونالد تاسك – الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي – أقامت تحالفا قويا مع ألمانيا ومع أنجيلا ميركل، مستشارتها.

 

لكن حكومات البلدان تشعر بالاستياء الشديد حين توصم بأنها من البلدان “المناهضة للتكامل الأوروبي”. في الواقع، علامتهم التجارية من التشكك الذي يصفه وزير الشؤون الأوروبية في بولندا، كونراد زيمانسكي، بأنه “النظرة الواقعية تجاه التكامل الأوروبي”، بعيد إلى حد كبير عن النزعة الانفصالية لدى نشطاء مغادرة الاتحاد الأوروبي في بريطانيا.

وهم يشتكون من أن بلدان أوروبا الغربية تعاملهم مثل أعضاء من الدرجة الثانية. وفي حين إنهم لم يؤكدوا قط أنهم سيكونون أكثر ازدهارا لو كانوا خارج الاتحاد، مثل نشطاء مغادرة بريطانيا في المملكة المتحدة، إلا أنهم مستاءون من تدخل بروكسل في القضايا الداخلية ومحاولات فرض حلول على مستوى الاتحاد الأوروبي ضد إرادتهم، كما يتبين من موضوع حصص المهاجرين.

وقال أحد وزراء فيسيغراد لـ “فاينانشيال تايمز”، “اللوم في ذلك يقع على التراث الشيوعي لدينا، لكننا لا نشعر بالارتياح عندما يتم تحديد السياسة في أماكن أخرى ثم يطلب منا تنفيذها“.

وقال ياروسلاف كاتشينسكي، رئيس حزب القانون والعدالة في بولندا، غداة استفتاء بريطانيا في حزيران (يونيو)، “أحد الاتجاهات من الاتحاد الأوروبي هو مزيد ثم مزيد من الاتحاد. هذا الموقف هو المسؤول عن الأزمات التي تتزايد باستمرار (…) المفاهيم الفيدرالية تؤدي إلى التعاسة. نحن في حاجة إلى معاهدة أوروبية جديدة“.

رباعي فيسيغراد يوافق على نطاق واسع على الحل: اتحاد أوروبي أكثر اعتمادا على التعاون بين العواصم، مع إعادة بعض الصلاحيات للدول الأعضاء، وكبح جماح المؤسسات التي مقرها بروكسل. لكن ما بعد ذلك، المصالح المتباينة قد تجعل من الصعب الاتفاق على أي مخطط تفصيلي.

دول الاتحاد الأوروبي الغربية المعارضة لتعميق التكامل، مثل الدنمارك والسويد وهولندا، يمكن أن تتفق مع تلك الدول في الرأي بهذا الخصوص وتنشئ توافقا في الآراء بشأن التحول إلى مزيد من “اتحاد أوروبي للعواصم”. إذا كان الأمر كذلك، يمكن لذلك سد الفجوة بين الشرق والغرب وتهدئة المخاوف في بلدان أوروبا الوسطى.

حتى في ألمانيا، دعا زيجمار جابريل، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشريك الأصغر في ائتلاف ميركل، إلى وضع حد أقصى لعدد المهاجرين. وقال يوم الأحد “إن الحكومة تقلل من شأن تحدي دمج مليون لاجئ وصلوا في عام 2015“.

شراكة من نوع ما

يرى بعض المحللين أن أوربان لديه أجندة أكثر تطرفا من النوع الذي يمكن أن يشكل خطرا على تركيبة الاتحاد الأوروبي. في ذلك، قد يشترك معه كاتشينسكي.

خلال السنوات الثماني التي قضاها بعيدا عن السلطة، درس حزب القانون والعدالة كيفية تعزيز حزب “التحالف الهنجاري المدني” التابع لأوربان قبضته على هنغاريا بعد عودته إلى الحكومة في عام 2010. لكن مسؤولين أشاروا إلى أن الرجلين يجدان صعوبة في العمل معا بسبب تضارب حاد في وجهات النظر حول روسيا.

فلا يزال كاتشينسكي منتقدا حاسما لروسيا التي يلقي اللوم عليها جزئيا بسبب حادث تحطم الطائرة في سمولينسك في عام 2010 الذي قتل فيه شقيقه التوأم ليخ، الرئيس البولندي في ذلك الحين. أما أوربان، على الرغم من أنه كان في الماضي طالبا منشقا أثناء الحقبة السوفياتية، فقد عمل مع موسكو ووقَّع على صفقة بمليارات الدولارات لتطوير محطة للطاقة النووية في هنجاريا.

لكن الرجلين يشكلان شراكة من نوع ما. وعلى الرغم من أن كاتشينسكي ليس رئيس الوزراء البولندي، إلا أنهما اجتمعا مرتين هذا العام. وفي الوقت الذي يواجه فيه حزب القانون والعدالة الضغط تتعلق بتغييرات في المحكمة الدستورية في بولندا تقول بروكسل “إنها يمكن أن يُلحق الضرر بسيادة القانون”، أوضح رئيس الوزراء الهنغاري أنه سيستخدم حق النقض ضد أي عقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي ضد وارسو، مرددا بذلك صدى إجراءات اتخذها أوربان.

ووفقا لبيتر كريكو، مدير شركة الأبحاث Political Capital في بودابست، رئيس وزراء هنغاريا عثر في قضية الهجرة على مجال محتمل للتحرك.

ويضيف “(أوربان) يريد تغيير وجه الاتحاد الأوروبي، ويأمل في أن يتم اكتساح القادة الحاليين للاتحاد الأوروبي، بمن فيهم ميركل، ويونكر، و(الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند) وغيرهم (…) بسبب أزمة اللاجئين”. ويتابع “أوروبا الجديدة يمكن أن تتشكل على أنقاض القديمة – ضد الرؤية الفيدرالية، واستنادا إلى ثالوث الأسرة والدولة القومية والمسيحية التي يدعي أوربان أنه وضعها مرة أخرى في قلب السياسة الهنغارية“.

اللغة القتالية لأوربان، وفي جوقة مع الرئيس البولندي، فاجأت حتى جيران فيسيغراد وحلفائها. قال مسؤول كبير في سلوفاكيا التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي: “بولندا وهنغاريا أصبحتا متشددتين بشكل متزايد”. وأضاف “فيسيغراد منبر مفيد جدا، لكن علينا بشكل متزايد أن ننأى بأنفسنا عن بودابست ووارسو حيث اللغة والشعارات ليست مفيدة“.

وفي الوقت نفسه، كان رد فعل المسؤولين التشيكيين على الانتقادات المتزايدة الموجهة إلى بروكسل من وارسو وبودابست، القيام برحلات متكررة إلى برلين لترسيخ العلاقة بينهما، خوفا من أن ينظر إليهم على أنهم مشتركون في الذنب.

ويشير بعض المحللين إلى أن رئيس الوزراء الهنغاري لن يخاطر أبدا بالوقوف ضد المشاعر الشعبية والدفع للخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن كريكو يعتقد أن أوربان يسعى بنشاط إلى تحويل الرأي الهنغاري ضد الاتحاد الأوروبي، من أجل تعزيز موقفه التفاوضي.

ودعا أوربان إلى استفتاء وطني في الثاني من تشرين الأول (أكتوبر)، لمعرفة ما إذا كان ينبغي السماح لبروكسل بإجبار هنغاريا على إعادة توطين المهاجرين “دون موافقة البرلمان”. ولأن خطة “الحصص المقررة” ميتة أساسا، يبدو أن المسألة موضع نقاش. لكن الاستفتاء وفر فرصة لحملة ضارية من الملصقات ضد المهاجرين – وبالتبعية، مكافحة الاتحاد الأوروبي. وزعمت الملصقات أنه منذ موجات اللاجئين “قتل أكثر من 300 شخص” في هجمات في أوروبا، وأن “التحرش بالنساء ارتفع بشكل حاد” وأن “بروكسل تريد توطين ما يعادل مدينة كاملة من المهاجرين غير الشرعيين في هنغاريا“.

مثل هذه الشعارات تعد صدى لمشاعر استغلها فيكو في سلوفاكيا خلال حملة إعادة انتخابه في آذار (مارس)، وهي أيضا صدى لخطابات رئيس جمهورية التشيك الشعبوي ـ وصاحب الشعبية ـ ميلوس زيمان، وصدى كذلك لأفكار كثيرين في الحكومة البولندية.

يقول كــــــــــريكو “يمكنهم وضع أنفسهم في دور كاساندرا. وسيكون بإمكانهم أن يقولوا “قلنا لكم هناك مشكلات، إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يستجب، وبالتالي خرجت بريطانيا العظمى من الاتحاد الأوروبي. وهذا يقدم مزيدا من الحجج لأجندتهم التحويلية”.

 بقلم :نيل باكلي وهنري فوي من لندن

 

 وكالات اعلامية

 

 

 

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة