fbpx

ديمقراطية بولندا ترزح تحت ضغوط ثورة ثقافية مضادة

Fot. Screen / Der Spiegel

  {loadposition top3}

عاد البرلمان البولندي أخيرا إلى العمل الأسبوع الماضي بعد أكبر مواجهة سياسية في البلاد منذ أعوام. على مدى 27 يوما، تماما خلال العطلة الشتوية، احتل أعضاء البرلمان من المعارضة غرفة البرلمان ضمن مناوبات، بالنوم على الأرض، حتى عندما قُطعت التدفئة والكهرباء عن المبنى
وقالوا إنهم كانوا يحتجّون على القيود المفروضة على وسائل الإعلام من قِبل حكومة حزب القانون والعدالة اليميني في بولندا. ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم الحزب، وصف ذلك بأنه “محاولة انقلاب”.
الشرارة كانت حظر مُقترح على إمكانية وصول الصحافيين إلى البرلمان الذي تم الإعلان عنه في كانون الأول (ديسمبر) الماضي. عندما احتل نوّاب المعارضة منصة البرلمان كنوع من الاحتجاج، انسحب أعضاء حزب كاتشينسكي لإقرار موازنة عام 2017 في غرفة جانبية. في الخارج، وفي عدد من المدن البولندية، أقام المتظاهرون احتجاجات عفوية.
بعد تأخير بداية البرلمان لمدة أسبوعين، تراجعت المعارضة. مع ذلك، فإن الوضع لا يزال متقلبا، مع مزاعم بأن موازنة هذا العام تم إقرارها بشكل غير قانوني.
بعد 15 شهرا من وصول حزب القانون والعدالة إلى السلطة، تُشير المواجهة البرلمانية إلى تعمُّق الانقسامات في المجتمع البولندي. في أحد الجوانب يوجد في الغالب الناخبون من المناطق الريفية، ومناطق التصنيع وكبار السن الذين يعتبرون الحزب الحاكم بطلهم. على الجانب الآخر يوجد الناخبون العالميون الحضريون ذوو الطابع الليبرالي القوي المنزعجون من جدول أعمال الحزب الحاكم، ذي التوجه القومي المُحافظ والنهج القمعي.
هناك أوجه شبه مع المجر، حيث فيكتور أوربان، رئيس الوزراء، يبني ما يدعوه ديمقراطية “غير ليبرالية”، لكن التغيير السياسي في بولندا، التي ينمو اقتصادها طوال عدّة أعوام بمعدلات تفوّق بقية أوروبا على نحوٍ جعلها قصة نجاح المرحلة الانتقالية ما بعد الشيوعية، كان صاعقا بصورة أكبر بكثير حتى عند المقارنة بالمجر. القلق هو ما إذا كانت الديمقراطية البولندية ستكون قوية بما فيه الكفاية لتحمّل الضغوط

يقول ليزيك بالسيروفيتش، مهندس الإصلاحات الاقتصادية ما بعد الشيوعية في بولندا قبل ربع قرن: “ما يحدث في بولندا في عهد الحكومة الجديدة هو أسوأ مما توقعه أي شخص، بما في ذلك أنا نفسي. إنه أمر غير مسبوق“.
تكثّفت الانقسامات بعد أن أصبح نطاق حزب القانون والعدالة واضحا: العمل على إلغاء الليبرالية الاجتماعية التي ازدهرت منذ انهيار الشيوعية، وأعادت بولندا إلى الجذور الكاثوليكية الرومانية ذات الطابع المحافظ. 
في حماسه للقيام بذلك، كما يقول النقاد، كان يجرف في طريقه الضوابط والتوازنات الديمقراطية. وهم يتّهمون الحكومة بتحييد المحكمة الدستورية، وتحويل وسائل الإعلام إلى أداة دعائية، وإضعاف الخدمة المدنية من خلال توظيف الموالين فيها من الذين ليسوا بالضرورة أصحاب كفاءة.
حزب كاتشينسكي – الذي يُنظر إليه بأنه أقوى رجل في بولندا، على الرغم من أنه لا يحتل أي منصب حكومي رسمي – يلقى مقاومة متزايدة. المواجهة الأخيرة جاءت بعد أسابيع فقط من المظاهرات الجماعية من قِبل النساء، التي أجبرت الحكومة على التخلّي عن حظر مقرر على الإجهاض. 
اتحاد المعلمين القوي في بولندا يدعو لإضراب وطني في آذار (مارس) المقبل، بسبب الإصلاحات التي يقول إنها ستقوّض المعايير، لكنها ستُنتج “بولنديين وطنيين مُطيعين“.
أليكسندر سمولار، رئيس مؤسسة ستيفان باتوري، مجموعة المجتمع المدني الليبرالية، يقول إن الأزمة البرلمانية هي علامة على “تراكم الإحباط” بين المعارضة، مضيفا أنه: “كان إحباطا جاء بسبب ما أدعوه الموجة الثانية من ’الثورة الثقافية المضادة‘ لكاتشينسكي – باستخدام المصطلح المفضل لدى الأخير، لأنه مصطلح دقيق تماما”.
برنامج +500

مثل دونالد ترمب في الولايات المتحدة ونشطاء خروج بريطانيا في المملكة المتحدة، فإن حزب القانون والعدالة يلقى قبولا لدى الأشخاص الذين يشعرون بصدق، بالمخاوف الموجودة لدى الأغلبية من مواطنيها، الذين هم في الحقيقة مجرد أقليات كبيرة. 
يشعر كثير من البولنديين أنه على الرغم من كل نجاح بولندا الاقتصادي – بمساعدة مليارات اليورو من أموال الاتحاد الأوروبي – أن كثيرا من الناس تعرضوا للإهمال. هناك مخاوف من أن مقادير فوق الحد من اقتصاد بولندا بيعت بأسعار رخيصة للمصالح الأجنبية في المرحلة الانتقالية من الشيوعية، وأنه عالق بكونه مزوّدا ذا أجور منخفضة إلى أوروبا الغربية، على اعتبار أن بولندا لديها عدد قليل جدا من الأبطال الاقتصاديين من ذوي التنافسية على مستوى العالم. يبدو أن بعض البولنديين يشعرون بالاستياء من الطريقة التي يبدو أن الناس المرتبطين بالنظام القديم، قد ازدهروا من خلالها بعد عام 1989.
برنامج الحزب الحاكم يجمع بين عناصر من اقتصاد اليسار وأجندة اجتماعية يمينية. الصدقات دعمت قاعدة ناخبيه. أدت الهبات والعطايا إلى تعزيز قاعدته الانتخابية. وبرنامجه الذي يدعى “500 +” يدفع 500 زلوتي (115 يورو) شهريا إلى العائلات عن كل طفل يولد بعد الطفل الأول، ظاهريا بهدف معالجة معدل المواليد المنخفض في بولندا، الذي يتم تمويله جزئيا من خلال الضرائب الجديدة المفروضة أساسا على المصارف المملوكة لجهات أجنبية. وحيث أن متوسط الدخل هو 3300 زلوتي، فإن المبلغ الذي يدفعه البرنامج يبدو سخيا. كما أن الحزب ألغى الزيادات في سن التقاعد التي أقرتها الحكومة السابقة من يمين الوسط، أي “المنصة الوطنية“.
يقول مارسين زابوروفسكي، من فيسجراد إنسايت، وهي مجلة تحليلية: “إذا كنتَ عاملا في مصنع في المقاطعات، وتحصل على 500 زلوتي، فإنك ستقول في نفسك إن هؤلاء الناس يقومون فعلا بأشياء من أجلي”.
الأجندة الاجتماعية المحافظة تلقى شعبية لدى الناخبين الأصليين أيضا. كاتشينسكي، الذي كان عضوا في اتحاد التضامن للتجارة الحرة في الثمانينيات، يعتقد أن عددا من زملائه في النضال سارعوا بصورة غير مناسبة، لضمان التوصل إلى تفاهم وتحالف غير رسمي مع مضطهديهم الشيوعيين السابقين، لإنهاء الهيمنة السوفييتية في عام 1989 
وهم لم يعملوا فقط على تمكين الشيوعيين السابقين من الازدهار في “بولندا الجديدة”، وإنما عملوا على تقويض الهوية المحافظة الكاثوليكية لبولندا، من خلال اعتناقهم العولمة والسوق، واعتناقهم القيم الليبرالية العالمية
في تحالف غير رسمي مع الكنيسة الكاثوليكية، تهدف الحكومة إلى إعادة المجتمع إلى القيم “التقليدية”. فضلا عن ذلك، حين يتعلق الأمر بكبح نفوذ الشيوعيين السابقين من أصحاب النفوذ، فإن مهمة حزب القانون والعدالة تلقى تعاطفا لدى أجزاء من النخبة المثقفة
يقول إيجور يانكه، رئيس معهد الحرية، وهو مركز أبحاث محافظ: “الناس في عهد ما بعد الشيوعية كانت لديهم القدرة على الوصول إلى المال، ودخلوا في النظام المصرفي ومجالات أخرى، لكن الذين ناضلوا فعلا ضد الشيوعيين ظلوا فقراء وعلى الهامش
أيديولوجية وأساليب حزب القانون والعدالة تترد أصداؤها لدى أوربان، رئيس وزراء المجر الذي التقى به كاتشينسكي عدة مرات في السنة السابقة، لكن هناك اختلافا حاسما بينهما: الحزب الحاكم في بولندا يتمتع بتأييد أكبر مما يتمتع به حزب أوربان المعروف باسم فيدسز، فقد فاز الحزب بنسبة 37.6 في المائة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية لعام 2015 – وهي نسبة التأييد التي يتمتع بها الآن – على أساس أن نسبة الناخبين التي جاءت للتصويت كانت أقل من 51 في المائة. النظام الانتخابي في بولندا حوَّل ذلك إلى أغلبية بسيطة في البرلمان
يفتقر الحزب إلى أغلبية الثلثين التي أتاحت لحزب فيدسز في المجر أن يعيد كتابة الدستور بصورة قانونية، وعلى مزاجه. يقول المنتقدون إن قرارات حزب القانون والعدالة الرامية إلى منع المحكمة الدستورية في بولندا من نقض التشريعات، هي محاولة لإطلاق يده مثلما هو الحال في المجر – لكن بطريقة قالت المحكمة نفسها إنها طريقة غير قانونية 
وهم يخشون من أن الحزب سيواصل اتباع مثال أوربان من خلال تقويض استقلالية القضاء، وإعادة كتابة القواعد الانتخابية لكي يعزز فرصته في الفوز مرة أخرى في انتخابات عام 2019 
زيزارد بيترو، زعيم حزب المعارضة “الحديث” الذي تم تأسيسه قبل عامين، يحذر من أن “تكتيكات فرّق تسد” يمكن أن تؤدي في النهاية إلى تقويض الديمقراطية البولندية. ويقول: “إذا كنتَ تقوم بهذا التفريق شريحة بعد شريحة، فجأة ستجد أنه لم يتبق لديك شيء لتقوم بتشريحه.
ينفي الحزب أنه يشكل تهديدا من هذا القبيل. يصر كاتشينسكي على أن معارضيه الليبراليين هم ببساطة لم يقبلوا قط نتيجة انتخابات عام 2015.
وقال في مقابلة إذاعية في الفترة الأخيرة: “مهما كانت الأمور التي نقوم بها، باستثناء التنازل عن السلطة، سيُعتبَر خاطئا، ومهلكا، وأنه يؤذي الديمقراطية، وهلمجرا”. وأضاف أن المعارضة عازمة على تغطية “أعمالها القذرة” وتجنب المسؤولية عن كثير من الأشياء الخاطئة” التي فعلوها حين كانوا في الحكومة. 
أحد كبار الوزراء في حزب القانون والعدالة يقول إن خصوم الحزب يُصدرون الاتهامات والإهانات على الديمقراطية والحقوق والوطنية دون أساس، لأنهم يخسرون في الجدل الخاص بالسياسة. ويقول: “ليست لديهم مقترحات في السياسة للتنافس معنا، لكنهم بدلا من ذلك يثيرون هذه المواضيع الكبيرة الثقيلة، ويواصلون السعي لاستخدامها ضدنا”.
نفاد المال وتغيير المعادلات

 

.

إذا استمر حزب القانون والعدالة في ممارسة سياسة فرق تسد من خلال التهديدات والتحالفات، فما الذي يضمن أنه سيبقى ضمن القواعد القانونية والانتخابية؟ من غير المرجح أن يكون الضامن هو الاتحاد الأوروبي، العالق في وضع الافتقار إلى الإرادة السياسية والأدوات الفعالة. 
المعارضة المحلية في بولندا تظل أقوى من المعارضة المجريّة، لكن جناحها الليبرالي منقسم بين الحزب الحاكم السابق “المنصة المدنية” وبين حزب بيترو الجديد، الذي يتشاجر بشأن كيفية حل المأزق الأخير. 
يقول الوزير من حزب القانون والعدالة: “بطبيعة الحال نحن سعداء حين نرى المعارضة تقتتل فيما بينها بدلا من أن تقاتل ضدنا”.
المجتمع المدني، الذي قاد المقاومة ضد الهيمنة السوفييتية، برهن على استمرار قوته من خلال مظاهرات النساء، التي اضطرت الحكومة إلى التراجع عن خطتها بحظر عمليات الإجهاض. والناس الذين يعرفون كاتشينسكي  يقولون إن أكثر ما يخشاه هو خروج الناس إلى الشوارع
من جانب آخر، يشعر الناشطون بالقلق من أنه باستثناء المظاهرات بخصوص حظر الإجهاض، كان الشباب سلبيين. والواقع أن المشاعر الوطنية التي يستثيرها الحزب الحاكم تكتسب شعبية متزايدة لدى الشباب البولندي، خصوصا موقفه ضد الهجرة. رد الفعل العكسي ضد حزب القانون والعدالة، يقوده جيل الشياب من حركة تضامن. 
يقول زابوروفسكي: “يشغِّل المتظاهرون أغاني تعود إلى الثمانينيات، لكنها لا تعني شيئا لشباب اليوم. إنه نوع من الحنين إلى الماضي ومن الماضي. الشباب يعتبر أن الديمقراطية والحرية وعضوية اليورو والناتو هي من المسلَّمات.” 
يضيف زابوروفسكي أن هناك خطرا أكبر أمام حزب القانون والعدالة، وهو أن “المال ينفد”. حتى يصبح بمقدور الدولة أن تدفع المنافع المترتبة على برنامج 500 + فإن هذا سيعتمد على النمو القوي. 
غير أن المكتب المركزي للإحصاء في بولندا قال إن النمو في الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى نسبة 2.8 في المائة السنة الماضية – ويعود ذلك جزئيا إلى تراجع الأموال المقدمة من الاتحاد الأوروبي. وتقول الحكومة إن هذا أمر يتعلق بالتوقيت وإن الأموال ستتدفق في وقت لاحق 
بالسيروفيز، الاقتصادي الليبرالي، يقول إن المشكلة أعمق من ذلك. وهو يلقي باللوم، بسبب “الفوضى” في القطاع العام التي أوجدها حزب القانون والعدالة، على الامتصاص البطيء لأموال الاتحاد الأوروبي، وتراجع أوسع في ثقة المستثمرين نتيجة “المناخ السياسي الفظيع”.
هذا يعطي دورا ينطوي على أهمية حاسمة إلى ماتيوز مورافيسكي، وزير الاقتصاد، الذي يعتبَر واحدا من أذكى العقول في الحكومة. لا بد لمورافيسكي أن يتلاعب بمحاولة إعادة أجزاء من الاقتصاد إلى سيطرة بولندا دون استعداء المستثمرين الأجانب وضمان أن يعمل الاقتصاد على توليد أموال كافية لتمويل المنح الاجتماعية 
هناك عامل يمكن أن يكون حاسما في مستقبل بولندا على الأمد القصير، وهو ما سيحدث خارج البلد. بعد فوز ترمب، إذا ارتفع نجم الوطنيين من أمثال مارين لوبن في فرنسا، ما يؤدي إلى مزيد من إضعاف الاتحاد الأوروبي، فستتراجع فرصة بولندا في تحقيق عودة سريعة إلى الديمقراطية الليبرالية، التي عاشت في ظلها لمدة ربع قرن بعد عام 1989
يقول رادوسلاف ماركوفسكي، أستاذ العلوم السياسية في الأكاديمية البولندية للعلوم: “كلما كان العالم حولنا أفضل حالا وأكثر حرية، تراجعت إمكانية بقاء حزب القانون والعدالة في الحكم”.
الأجندة الاجتماعية المُحافظة لحزب القانون والعدالة، أحدثت الفُرقة بين البولنديين وأدت إلى مواجهة في البرلمان. وفي حين أن الحزب الحاكم يتجاهل الانتقادات، إلا أن كثيرين يخشون من أن الثورة الثقافية المضادة ستُلحق الضرر بالأمة.

الاقتصادية- نيل باكلي من وارسو

 

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة