التناقضات الشعبوية في بولندا

يعمل حزب «بولندا المتحدة»، وهو حزب سياسي بولندي صغير غير معروف إلى حد كبير حتى بين الناخبين في البلاد، على التحكم بمصير نصف مليار شخص في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي. في الواقع، يتعلق الأمر بمبدأ يدعمه %66 من البولنديين: يجب أن يكون تمويل الاتحاد الأوروبي مشروطاً باحترام الدولة المُستفيدة لسيادة القانون – وهو شرط أساسي في ميزانية الاتحاد الأوروبي المُقبلة للفترة 2027-21 وصندوق التعافي من فيروس كورونا.

تُشير التقارير التي صدرت هذا الأسبوع قبل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي لمناقشة هذه القضية إلى أن بولندا وهنغاريا تقبلان اقتراح الميزانية الذي تقدمت به رئاسة الاتحاد الأوروبي. لا يزال يتعين المصادقة عليه من قبل هولندا والدول الأعضاء الأخرى، فضلاً عن النُقاد داخل الحكومة البولندية.

مع شن حزب القانون والعدالة الحاكم في بولندا حرباً على استقلال الهيئة القضائية في البلاد لسنوات، لم تكن معارضته للحكم المُتعلق بسيادة القانون مُفاجئة. ولكن من المهم فهم السياسات المُعقدة وراء الموقف الحالي لبولندا تجاه بقية الاتحاد الأوروبي. عندها فقط يمكن كسر الجمود الحالي، مما قد يخلق تأثير الدومينو الذي يطيح بالزعيم الفعلي لبولندا ياروسلاف كاتشينسكي، ويُنهي الحقبة الحالية من الحكم الشعبوي في البلاد.

إن تهديد بولندا باستخدام حق النقض ضد ميزانية الاتحاد الأوروبي ما دامت تتضمن آلية شرطية هو نتيجة التنافس بين سياسيين بارزين: رئيس الوزراء ماتيوش مورافيتسكي من حزب القانون والعدالة الحاكم ووزير العدل زبيغنيف جوبرو من حزب بولندا المتحدة. كلاهما يسعى لخلافة كاتشينسكي، وكلاهما مُستعد للتضحية برفاهية بولندا وأوروبا من أجل طموحاتهما الخاصة.

لا يُعد مورافيتسكي ولا جوبرو سياسيين مُستقلين ليصل كل مهما إلى مكانته بمجهوده الخاص. كان مورافيتسكي رئيساً سابقاً لبنك بولندي كبير ومُستشاراً لرئيس الوزراء السابق دونالد تاسك (المنافس اللدود لكاتشينسكي)، ولا يحظى أي منهما بالقبول في حزب القانون والعدالة. بعد ثلاث سنوات من توليه منصبه، لا يزال الحزب يتعامل معه باعتباره دخيلاً. ومع ذلك، يبدو أن كاتشينسكي ينظر إلى مورافيتسكي على أنه خليفة له، وربما يراهن على أنه سيكون مديراً اقتصادياً مُطيعاً ومنطقياً.

من جانبه، يقود جوبرو الفصيل اليميني الأكثر تطرفاً في تحالف اليمين المُوحد الحاكم. في الممارسة العملية، يترشح نُواب حزب بولندا المتحدة على قوائم حزب القانون والعدالة في الانتخابات البرلمانية، لكنهم في النهاية موالون لـ جوبرو، الذي تجعله آراؤه وأسلوبه السياسي أكثر ملاءمة ليكون خليفة كاتشينسكي. لكنه لم يفز بعد بتأييد الزعيم الحالي.

تتزامن المُواجهة بين بولندا والاتحاد الأوروبي مع عدد من التطورات الداخلية التي أدت إلى انهيار الدعم الشعبي لحزب القانون والعدالة، والذي انخفض إلى %27. منذ منتصف عام 2017، لم تنخفض هذه النسبة إلى أقل من %40؛ ولكن الآن، يتجاوز حزب كاتشينسكي بالكاد حزب التحالف المدني الذي يحتل المركز الثاني، والذي يحظى بتأييد %25 من الناخبين. لقد ساهمت الصراعات داخل الاتحاد الأوروبي أيضاً بشكل كبير في مشاكل حزب القانون والعدالة. لا يزال التكامل الأوروبي يحظى بدعم كبير في بولندا. على الرغم من أن هذا لا يُترجم عادةً إلى دعم للأحزاب المؤيدة لأوروبا، فمن الآمن افتراض أن تقليص أموال الاتحاد الأوروبي لبولندا سيؤدي إلى حشد الناخبين ضد حزب القانون والعدالة.

على مدى السنوات الخمس الماضية، فشل الاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً في منع حزب القانون والعدالة الحاكم من إخضاع المؤسسات المستقلة، بما في ذلك القضاء ووسائل الإعلام، ووضع الأساس لديمقراطية استبدادية غير ليبرالية. وفي استجابة أخيرة من خلال آلية سيادة القانون، لا يعمل الاتحاد الأوروبي على اختبار بولندا فحسب، بل يختبر نفسه أيضاً. مثل بولندا، قد يختار في نهاية المطاف الفوائد الاقتصادية على سيادة القانون – ولكنه سيندم على اتخاذ قرار مُماثل في المستقبل.

الكاتب Sławomir Sierakowski- مؤسس حركة النقد السياسي ومدير معهد الدراسات المتقدمة في وارسو وزميل أول في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية.. البيان

التعليقات مغلقة.

error: حقوق المحتوى محفوظة ، استخدم زر المشاركة